ريا و سكينة

قدمت الدعارة والمخدرات والسرقة والبلطجة فى الأحياء الفقيرة بيئة مثالية لجرائم القتل البشعة التي هزت مصر في عام 1920. وكانت الضحايا نساء كلهن على يد سفاحتين شقيقيتن، بمساعدة من أزواجهن و رجلين اخرين.

 كان المشهد حي اللبان ، أفقر منطقة الاسكندرية حيث الجريمة وسيلة للحياة. حيث تم اكتشاف جثة 17 امرأة على أيدي الشرطة بعدما استكملت تحقيقاتها.

اسمهما ريا وسكينة علي همام نزحتا في بداية حياتهما من الصعيد إلى بني سويف إلى كفر الزيات واستقرتا في مدينة الإسكندرية في بدايات القرن العشرين

تعرف فترات ما بعد الحرب بأنها فترة لانتشار الانحطاط الأخلاقي وانتشار الأنشطة الإجرامية المرتبطة بها ومصر فى هذا الوقت كانت قد خرجت لتوها من الحرب العالمية الاولى ، فليس من المستغرب قضية ريا وسكينة فهى تحمل لمحة عن عالم الجريمة فى الاسكندرية بل و فى مصر فى ذلك الوقت.

بدأت ريا وسكينة ، سلسلة من الجرائم الوحشية في الاسكندرية في نوفمبر تشرين الثاني 1919. وفى هذا الوقت كانت الانتفاضة الشعبية المصرية او ما يعرف بثورة 1919 على اشدها. فأدت الى  انشغال قوات الأمن فى قمع الاضطرابات ، وأتيحت لريا وسكينة الفرصة لعمل جرائمهما مع الإفلات من العقاب

فى البداية قامتا الشقيقتان بفتح عدة بيوت للرذيلة فى الازاريطة و بالقرب من المنشية و فى حى اللبان و كانت هذه البيوت تحتاج لقوداين و ذوى بنية ضخمة ليقوموا بتحصيل الاموال ممن لايدفعون داخل هذه الاوكار و من هنا كان انضمام الرجلين الاخرين لريا و سكينة و زوجيهما فى قتل النساء

في ذلك الوقت كانت الدعارة والمخدرات وإدمان الكحول منتشرين. ففي تلك المناطق تمثل تلك مغناطيس للمحرومين .وكانت المفاجأة ، هو أن العديد من النساء الذين يترددون على منازل سكينة و ريا و يرتكبون  الزنا” كانت نساء متزوجات. تراوحت ما في أعمارهم بين 17 و 50

بدأ اكتشاف تلك الجريمة حينما تقدمت سيدة ببلاغ إلي حكمدار بوليس الاسكندريه عن اختفاء ابنتها و كان هذا هو البلاغ الاول الذي بدأت معه مذبحه النساء تدخل الي الاماكن الرسميه.وتلقي بالمسؤلية علي اجهزة الامن . وانتهي بلاغ الام بانها تخشي أن تكون ابنتها قد قتلت بفعل فاعل لسرقة الذهب الذي تتحلي به وفي 16 مارس كان البلاغ الثاني الذي تلقاه رئيس نيابة الاسكندريه الاهليه من محمود مرسي عن اختفاء أخته زنوبه

الغريب والمثير والمدهش أن صاحب البلاغ وهو يروي قصه اختفاء أخته ذكر اسم ريا وسكينه ..ولكن الشكوك لم تتجه اليهما !وقد أكد محمود مرسي أن أخته زنوبه خرجت لشراء لوازم البيت فتقابلت مع سكينه وأختها ريه وذهبت معهما الي بيتهما ولم تعد أخته مرة أخري !

وقبل أن تتنبه أجهزة الأمن إلي خطورة ما يجري أو تفيق من دهشتها امام البلاغين السابقين يتلقي وكيل نيابه المحاكم الاهليه بلاغا من فتاة عمرها خمسه عشرة عاما اسمها أم إبراهيم عن اختفاء أمها وهي بائعة طيور عمرها36 عاما ..ومرة اخري تحدد صاحبه البلاغ اسم سكينه باعتبارها اخر من تقابل مع والدتها زنوبه

في نفس الوقت يتلقي محافظ الاسكندرية بلاغا هو الاخر يؤكد صاحب البلاغ ان زوجته اختفت من عشرين يوما و هنا ينفلت الامر وتصحبه الحكايات علي كل لسان وتموج الاسكندريه وغيرها من المدن بفزع ورعب غير مسبوقين فالبلاغات لم تتوقف والجناة المجهولون مازلوا يخطفن النساء

ثم كان بلاغ عن اختفاء فتاة عمرها 13عاما  و بلاغ أخر من تاجر سوري الجنسية عن اختفاء فتاة عمرها 12 عاما تعمل خادمه له خرجت لشراء أشياء من السوق ولم تعد

 البلاغات لا تتوقف والخوف يسيطر علي كل البيوت وحكاية عصابة خطف النساء فوق كل لسان

و كانت بداية اكتشاف الجريمة صباح 11 ديسمبر 1920حينما تلقى اليوزباشى إبراهيم حمدي إشارة تليفونيه من عسكري الدوريه بشارع أبي الدرداء بالعثور علي جثه امرأة بالطريق العام وامام حيره ضابط البوليس لعدم معرفه صاحبه الجثه وان كانت من الغائبات ام لا يتقدم رجل ضعيف البصر اسمه احمد مرسي عبدة ببلاغ الي قسم اللبان يقول الرجل في بلاغه انه اثناء قيامه بالحفر داخل حجرته لإدخال المياة والقيام ببعض أعمال السباكة فوجئ بالعثور علي عظام أدميه فأكمل الحفر حتي عثر علي بقيه الجثه التي دفعته للابلاغ عنها فورا

اكدت التحريات ان البيت الذي عثر فيها الرجل علي جثه ادميه كان يستأجره رجل السمني وكان يؤجر حجرات البيت من الباطن لحسابه الخاص ومن بين هؤلاء الذين استأجروا من الباطن في الفترة الماضيه سكينه وصالح سليمان ومحمد شكيرة وان سكينه بالذات هي التي استأجرت الحجرة التي عثر فيها الرجل علي الجثه تحت البلاط واكدت التحريات ايضاً ان سكينه استاجرت من الباطن هذه الحجرة ثم تركتها مرغمه بعد ان طرد صاحب البيت بحكم قضائي المستاجر الاصلي لهذة الغرف السمني وبالتالي يشمل حكم الطرد المستأجرين منه من الباطن وعلي راسهم سكينه وقال الشهود من الجيران ان سكينه حاولت العودة الي استئجار الغرفه بكل الطرق والاغراءات لكن صاحب البيت ركب راسه واعلن ان عودة سكينه الي الغرفه لن تكون الا علي جثته فقد ضاق كل الجيران

 

 

 

بسلوك سكينه والنساء الخليعات اللاتي يترددن عليها مع بعض الرجال البلطجيه

بعد ان ظهرت الجثتان المجهولتان لاحظ احد المخبريين السريين المنتشرين في كل انحاء الاسكندريه بحثا عن ايه اخبار تخص عصابه خطف النساء لاحظ هذا المخبر انبعاث رائحه بخور مكثفه من غرفه ريا بالدور الارضي المخبر ان دخان البخور كان ينطلق من نافذة الحجرة بشكل مريب مما اثار شكوكه فقرر ان يدخل الحجرة التي يعلم تمام العلم ان صاحبتها هي ريا اخت سكينه الا انه كما يؤكد المخبر في بلاغه اصابها ارتباك شديد حينما سالها المخبر عن سر اشعال هذة الكميه الهائلة من البخور في حجرتها وعندما  اصر المخبر علي ان يسمع اجابه من ريا اخبرته انها كانت تترك الحجرة وبداخلها بعض الرجال اللذين يزرونها وبصحبتهم عدد من النساء فاذا عادت ريا وجدتهم انصرفوا ورائحه الحجره لا تطاق

اجابة ريا اشعلت الشك الكبير في صدر المخبر السر ى الذى اسرع الى نائب مأمور قسم اللبان ليبلغه عن شكوكه في ريا وغرفتها ، وعلي الفور تنتقل قوة من ضباط الشرطه والمخبرين والصولات الي الغرفه ليجدوا انفسهم امام مفاجأة جديده لقد شاهد الضابط رئيس القوة صندرة من الخشب تستخدم للتخزين داخلها والنوم فوقها ويامر الضابط باخلاء الحجرة ونزع الصندرة فيكتشف الضابط من جديد ان البلاط الموجود فوق ارضية الحجرة وتحت الصندرة حديث التركيب بخلاف باقي بلاط الحجرة فيصدر الامر بنزع البلاط وكلما نزع المخبرون بلاطه تصاعدت رائحه العفونه حتي تم نزع اكبر كميه من البلاط فتطهر جثة امرأة و هنا تصاب ريا بالهلع ويزداد ارتباكها بينما يأمر الضابط باستكمال الحفر والتحفظ علي الجثه حتي يحرر محضرا بالواقعه في القسم ويصطحب ريا معه الي قسم اللبان لكنه لا يكاد يصل الي بوابة القسم حتي يتم اخطاره بالعثور علي الجثه الثانيه لم تعد ريا قادرة علي الانكار خاصه بعد وصول بلاغ جديد الي الضابط من رجاله بالعثور علي جثه ثالثه وهنا تضطر ريا الي الاعتراف بانها لم تشترك في القتل ولكن الرجلين كانت تترك لهما الغرفه فيأتيان فيها بالنساء وربما تم ارتكاب جرائم قتل في الحجرة اثناء غيابها هكذا قالت ريا في البدايه وحددت الرجلين وحينما سألها الضابط عن علاقتها بهما قالت انها عرفت احدهما من ثلاث سنوات لانه صديق شقيقها وتعرفت علي الاخر من خلال الاول وقالت ريا ان زوجها يكرة هذين الرجلين لانه يشك في ان احدهما يحبها و بدأت تتضح معالم القضية والخيوط بدأت تنفك عن بعضها ليقترب اللغز من الانهيار تـأمر النيابة بالقبض علي كل من ورد اسمه في البلاغات الاخيرة

وتظهر مفاجاة جديدة هذه المرة حيث اكدت تحريات ان ريا كانت تستاجر حجرة اخري فتنتقل قوة البوليس بسرعه الي العنوان الجديد وتأمر السكان الجدد باخلاء حجرتين تاكد الضباط ان سكينه استاجرت احداهما في فترة وريا احتفظت بالاخري كان في حجرة سكينه صندرة خشبيه تشبه نفس الصندرة التي كانت في غرفه ريا تتم نفس اجراءات نزع الصندرة والحفر تحت البلاط ويبدأ ظهور الجثث من جديد

لقد اتضحت الصورة تماما جثث في جميع الغرف التي كانت تستاجرها ريا وسكينه ولاول مرة يصدر الامر بتشميع منزل سكينه وينطلق الضباط الي بيوت جميع المتهمين المقبوض عليهم فى  قوة من المباحث وفي هذا كانت تتم متابعة الحفر في حجرة ريا حتي تم العثور علي جثة جديدة لاحدي النساء بعدها تطير معلومه بان ريا كانت تسكن في بيت اخر بكرموز ويقول ان ريا تركت هذا السكن بحجه ان المنطقه سيئه

السمعه وتقوم قوة من البوليس باصطحاب ريا من السجن الي بيتها في كرموز ويتم الحفر هناك فيعثر الضباط علي جثه امرأة جديدة

و فى هذه الاثناء كانت سكينه كثيرا ما تراوغ المباحث اما ريا اختصرت الطريق واثرت الاعتراف مبكرا قالت ريا في بدايه اعترافها انها امرأة ساذجة وان الرجال كانوا ياتون الي حجرتها بالنساء اثناء غيابها ثم يقتلون النساء قبل حضورها وانها لم تحضر سوي عمليه قتل واحدة وانفردت النيابه باكبر شاهدة اثبات في القضيه بديعه بنت ريا التي طلبت الحصول علي الامان قبل الاعترافات كي لا تنتقم منها خالتها سكينه وزوجها وبالفعل طمأنوها فاعترفت بوقائع استدراج النساء الي بيت خالتها وقيام الرجال بذبحهن ودفنهن ورغم الاعترافات الكامله لبديعه الا انها حاولت ان تخفف من دور امها ريا ولو علي حساب خالتها سكينه بينما كانت سكينه حينما تعترف بشكل نهائي تخفف من دور زوجها بعد ان علمت سكينه ان ريا اعترفت في مواجهة بينهما امام النيابه قالت سكينه ان ريا هي اختها الكبيرة وتعلم اكثر منها بشؤون الحياه وانها ستعترف مثلها بكل شئ وجاءت اعترافات سكينه كالقنبله المدويه فقالت في اعترافاتها لما اختي ريا عزلت جاءتني ريا تزورني في يوم كانت رجلي فيه متورمه وطلبت ريا ان اذهب معها الي بيتها اعتذرت لعدم قدرتي علي المشي لكن ريا شجعتني لغاية ما قمت معها..واحنا ماشيين لقيتها بتحكيلي عن جارتنا هانم اللي اشترت كام حته ذهب قلت لها (وماله دي غلبانه) قالت لي(لا..لازم نز علوها ام دم تقيل دي) ولما وصلنا بيت ريا لقيت هناك زوجي عبدالعال وحسب الله زوج ريا وعرابي وعبد الرازق الغرفه كانت مظلمه وكنت هصرخ لما شفت جثة هانم وهي ميته وعينيها مفتوحية تحت الدكه الرجاله كانوا بيحفروا تحت الصندرة ولما شعروا اني خايفه قالوا لي احنا اربعه وبرة في ثمانيه واذا اتكلمت هيعملوا فيا زي هانم

 ووضعت النيابه يدها علي كافه التفاصيل ليقدم رئيس النيابه مرافعه رائعه في جلسه المحاكمه التي انعقدت يوم 10 مايو عام 1921 وكان حضور المحاكمه بتذاكر خاصه اما الجمهور العادي الذي كان يزدحم بشده لمشاهده المتهمين في القفص فكان يقف خلف حواجز خشبية

قيدت القضية بجدول النقض تحت رقم 1937 سنة 38 قضائية وحكم فيها من محكمة النقض والإبرام برفض الطعن فى 30 أكتوبر سنة 1921

ونفذ حكم الإعدام داخل الإسكندرية فى 21 و 22 ديسمبر سنة1921 و هكذا انت قصة هاتين السفاحتين

أحمد جلال

Advertisements
Categories: تاريخ الاسكندرية | Tags: , , , | Leave a comment

Post navigation

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

Blog at WordPress.com.

%d bloggers like this: